اسماعيل بن محمد القونوي

171

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

عرف من مذهب أهل السنة بل أكثرية المناسبة مع اللّه تعالى في النزاهة وقلة الوسائط قوله وأقربهم تنبيه على ذلك فالمصنف طيب اللّه تعالى ثراه أشار إلى هذه النكتة الجليلة بقوله ولو من وجه فمن لم يفهم تلك الإشارة فقد غفل عن تلك النكتة نقل عن فخر الإسلام أنه لا طائل تحته والأحسن الكف عنه انتهى . ووجهه ما ذكرنا سابقا فتذكر . قوله : ( وإن إبليس كان من الملائكة ) أي أن الآية تدل أيضا على ذلك ( وإلا لم يتناوله أمرهم ) فلا يلزم أن يكون عاصيا بعدم السجدة له فضلا عن كونه كافرا ومعلوم أن إبليس لم يؤمر بالسجود مستقلا فالظاهر كونه داخلا تحت الملائكة ( ولم يصح استثناؤه منهم ) لأن الأصل في الاستثناء الاتصال لكونه حقيقيا وكون الانقطاع مجازا . قوله : ( ولا يرد على ذلك قوله تعالى : إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ [ الكهف : 50 ] لجواز أن يقال إنه كان من الجن فعلا ومن الملائكة نوعا ) جواب عن معارضة بأن هذه الآية تدل على أنه ليس من الملائكة بل من الجن فأجاب بجوابين باستناد أنه كان من الجن فعلا ومن أفراد الملائكة نوعا وهذا الكلام بناء على أن الملائكة ليسوا بمعصومين ولا يخفى ومنه وحاصله كونه من الجن مجازا فلا يزاحم ما ذكرنا من كونه من الملائكة حقيقة . قوله : ( ولأن ابن عباس ) رضي اللّه تعالى عنهما ( روى أن من الملائكة ضربا يتوالدون يقال لهم الجن ومنهم إبليس ) فهذا النوع من الملائكة غير معصومين إذ التوالد من القوى الشهوية وصاحبها لا يخلو عن الوقوع في المعاصي ونقل عن علم الهدى يحتمل أن يكون المعنى صار من الجن وكان ملكا فقيرا للّه صورته وطبعه وسيرته إلى صورة الجن وطبعهم وسيرتهم بعد قصده إلى الإباء والاستكبار والكفر فصار ممسوخا كما أن بعض بني آدم صاروا قردة وخنازير انتهى . قوله بعد قصده إلى الإباء الخ . يدل على أنه صدر منه ما صدر حين كونه ملكا فصار بسبب هذا العصيان ممسوخا فلا يشفي العليل بل ازداد العطش للغليل فإنه إن أراد تنزيه ساحة الملائكة فلا يفيد وإلا فلا حاجة إلى القول بالمسح مع أن حسن الأدب مع الملائكة مستحسن جدا ألا يرى أن مثل هذا قيل في هاروت وماروت ولم يرض به العظماء وقد نقل عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما وغيره خلاف المتبادر وقال صاحب الكشاف ويجوز أن يكون منقطعا وهو الأحرى والأولى لأن الأئمة عدوا المنقطع من الاستثناء ولو مجازا وقد حمل الشيخان في مواضع عديدة من القرآن الاستثناء على المنقطع وليت شعري ما المانع هنا عن الحمل على المنقطع حتى تمحلوا بالتكلفات البعيدة قوله : لجواز أن يقال إنه كان من الجن فعلا ومن الملائكة نوعا أقول الحق أن يفسر ألفاظ كلام اللّه تعالى بمعانيها التي وضعت هي لها حقيقة ولا يصار إلى المجاز ما أمكن الحمل على الحقيقة ولا يأول ما لم يكن ثمة ضرورة وإلا أمكن تأويل آيات القرآن على وفق مذهب الحكماء فيما خالفوا فيه أصول الفرق الإسلامية على ما صرح به الإمام .